الأمير ناصر بن عوض بن حسن بن سحاب آل مسلمه

أحد أبرز أمراء الدولة السعودية في المناطق الحدودية، صدر قرار تعيينه أميرًا لصامطة في عهد جلالة الملك سعود وذلك في عام 1381/82هـ. عُرف بشخصيته القيادية الحازمة، فكان شديدًا في التعامل مع الخارجين عن النظام، وحريصًا على حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة الحدودية. كما عُرف بكرمه وسعة صدره وقربه من الأهالي، وهي خصال تجاوز صداها النطاق المحلي، إذ أشار إليها عدد من المؤرخين، ومنهم الشيخ العلامة عاتق بن غيث البلادي، الذي قال في وصفه هو وشقيقه الأمير منصور: “وكفاك بقحطان كرمًا فقد عرفت منهم الأمراء ناصر ومنصور وكانا أجود من الريح”. ولم تكن هذه الشهادة وصفًا عابرًا، بل انعكست واقعًا ملموسًا في نهجه اليومي، إذ اعتاد طوال فترة إمارته عقد مجلس يومي يستمع فيه إلى شكاوى الأهالي، ويباشر معالجة قضاياهم، ويسعى إلى إصلاح ما يقع بينهم من خلافات.

شهدت المنطقة عصرها الذهبي في عهده، بفضل إسهاماته التنموية وجهوده المستمرة في تطوير الخدمات التعليمية والصحية والعامة والبنية التحتية، إضافة إلى تطوير العمل الإداري والأمني. كما كان له دور بارز في دعم الأمن والاستقرار في المنطقة الحدودية الجنوبية، وتحديدًا مساندة القوات العسكرية خلال أحداث الثورة اليمنية. وظل في خدمة دينه ومليكه ووطنه حتى توفي عام 1399هـ إثر حادث أثناء أداء مهامه الرسمية.

تميز بشخصية قيادية واضحة المعالم، حيث عُرف بالحزم في اتخاذ القرار والتعامل بقوة رادعة مع الخارجين عن القانون، والحرص على تطبيق النظام، مع المحافظة في الوقت ذاته على روح القرب من المجتمع المحلي واحترام العادات والتقاليد القبلية في المنطقة.

ومن عادته طوال فترة إمارته أن يعقد مجلسًا يوميًا في مقر الإمارة يستقبل فيه كبار المشائخ والأعيان ومسؤولي الجهات الحكومية والمواطنين من مختلف القرى والمراكز التابعة لصامطة، يستمع إلى مطالبهم ويعمل على حل قضاياهم بشكل مباشر. وقد أسهم هذا الأسلوب في الإدارة في تعزيز الثقة بينه وبين الأهالي، وجعل الإمارة مركزًا لحل كثير من المشكلات الاجتماعية والإدارية.

ونظرًا لكون صامطة في منطقة حدودية حساسة، أولى الأمير ناصر اهتمامًا كبيرًا بالجانب الأمني والمتابعة الميدانية المباشرة، حيث عمل على دعم الأجهزة الأمنية وتنظيم عملها، ومشاركتهم في متابعة الدوريات الليلية مع رجال (العسّة) الذين كانوا يجوبون المدينة ليلًا للتأكد من استتباب الأمن ومراقبة أي تسلل عبر الحدود.

حظي الأمير ناصر بمكانة وثقة رفيعة من قيادات المملكة، فقد كان شخصية مركزية في المنطقة، ويُعرف بحكمته وحنكته في التواصل مع كبار المسؤولين، وهو ما جعل إمارة صامطة محطة رئيسية للزيارات الرسمية والتفقدية.

– خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز -ولي العهد آنذاك-

أثناء زيارته للمنطقة لإفتتاح سد وادي جازان في أبو عريش عام 1391هـ، شارك الأمير ناصر وشقيقه الأمير منصور بن عوض بن حسن بن سحاب آل مسلمه أمير صبيا آنذاك، في استقبال سموه بمعية الأمير تركي الأحمد السديري، أمير جازان آنذاك. 

ورافق سموه في الزيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، -أمير منطقة الرياض آنذاك-، وقد أُقيمت مأدبة غداء رسمية للوفد.

– خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز –رئيس الحرس الوطني آنذاك-

في بدايات عمله برئاسة الحرس الوطني في الثمانينات الهجرية، قام سموه بزيارة للحدود الجنوبية، وتشرف الأمير ناصر باستقباله في مقر الإمارة بصامطة، حيث أُقيمت مأدبة غداء أُطلق عليها بين الأهالي والأوساط الشعبية اسم “غداء عبدالله”، لما تحمله من رمزية في ضخامة المأدبة وحفاوة الاستقبال للضيف الكبير، وقد تركت هذه المناسبة صدى واسعًا في ذاكرة المجتمع المحلي لسنوات طويلة.

– صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز وزير الدفاع

ضمن جولاته التفقدية للمناطق الحدودية خلال الثمانينيات والتسعينيات الهجرية، قام بعدة زيارات رسمية وشخصية إلى صامطة والحدود الجنوبية وقد كان في استقباله الأمير ناصر وشقيقه الأمير منصور بن عوض بن حسن بن سحاب آل مسلمه -أمير صبيا-، وعدد من المشائخ والأعيان، وقد أُقيمت خلالها مآدب غداء خاصة تكريمًا لسموه.

– صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية

أثناء زيارة سموه لمنطقة جازان في التسعينيات الهجرية، استضافه الأمير ناصر في مناسبة هامه، في عام 1398هـ بمقر الإمارة بصامطة، حيث أُقيمت مأدبة غداء رسمية تكريمًا لسموه. وقد أظهرت هذه اللقاءات قرب الأمير ناصر وارتباطه الوثيق بالقيادة وكبار المسؤولين، وتعكس التقدير والمكانة التي يحظى بها.

في أعقاب سقوط نظام المملكة المتوكلية اليمنية إثر الثورة اليمنية، خرج الإمام محمد البدر حميد الدين –إمام اليمن آنذاك– برفقة أسرته وعدد من مرافقيه إلى أراضي المملكة العربية السعودية.

وقد كُلّف الأمير ناصر بن عوض بن حسن بن سحاب آل مسلمه وشقيقة الأمير منصور بن عوض بن حسن بن سحاب آل مسلمه -أمير أحد المسارحة آنذاك- بمهمة استقبال الإمام وأسرته وتأمين إقامتهم المؤقتة في مدينة صامطة. حيث استضافهم في مسكنه الخاص بمقر الإمارة لمدة يوم ونصف في ظل ترتيبات أمنية وتنظيمية مشددة، وأقام على نفقته الخاصة مآدب تكريمية للإمام وضيوفه.

وبعد ذلك انتقل الإمام إلى مدينة جازان حيث كان في استقباله أمير المنطقة الأمير تركي بن أحمد السديري والأمير محمد بن أحمد السديري، قبل أن يتوجه لاحقًا إلى جلالة الملك بمدينة الطائف.

شهدت المنطقة الجنوبية من المملكة مرحلة حساسة عقب اندلاع الثورة اليمنية وما تبعها من توترات على الحدود الجنوبية. وفي تلك الظروف، كان للأمير ناصر دور وطني بارز في دعم ومساندة القوات السعودية المرابطة على الحدود.

فقد كان يقوم مع أخيه الأمير منصور بن عوض بن حسن بن سحاب آل مسلمه أمير أحد المسارحة -آنذاك-، بجولات ميدانية متكررة على مواقع الجيش، برفقة عدد من القادة العسكريين، للاطمئنان على أحوال الجنود وتعزيز معنوياتهم. وقد شارك في تلك الجولات عدد من كبار القادة العسكريين، من بينهم الزعيم محمد بن عامر وعدد من الضباط الذين تولوا قيادة القوات في تلك المرحلة ومنهم العقيد مصلح الحربي، القائد علي بن فايز الشهري، القائد أحمد عبدالمالك، وكيل القائد علي عبدالقادر الحفظي.

كما بادر الأمير ناصر بالمساهمة في حفر ثمانية آبار بدائية على نفقته الخاصة في مناطق تمركز القوات على امتداد الشريط الحدودي، وذلك لتوفير المياه للجنود المرابطين في مواقعهم العسكرية خلال تلك الفترة.

وفي عام 1384هـ أقام مأدبة كبيرة للجنود في مواقعهم العسكرية في مناطق الدغارير والطوال والخوبة، حيث جرى إعداد الطعام في مواقع تمركز القوات، وتشير الروايات المحلية إلى أنه استعان بعدد كبير من الطهاة، تكريمًا لهم وتعزيزًا لروحهم المعنوية خلال تلك المرحلة الحساسة.

ارتبط الأمير ناصر بعلاقات وثيقة مع أهل العلم والمشايخ والأعيان، إدراكًا منه لأهمية دورهم في بناء المجتمع وترسيخ القيم الدينية والعلمية. وقد امتدت هذه العلاقة إلى ما قبل توليه الإمارة، حيث كانت صلته بالشيخ العلامة الجليل عبدالله بن محمد بن حمد القرعاوي صلة مبكرة، إذ أسهم مع شقيقه الشيخ عليان بن عوض بن حسن بن سحاب آل مسلمه في تأسيس ودعم مدارس الجنوب في منطقة عسير منذ بدايات عمل الشيخ القرعاوي هناك عام 1375هـ، وهو ما يعكس اهتمامه المبكر بنشر العلم ودعم مسيرته.

وخلال فترة إمارته، ظل هذا النهج حاضرًا، حيث كان مجلسه اليومي مقصدًا للشيخ العلامة القرعاوي وطلابه، كما كان ملتقى لعدد كبير من المشايخ والأعيان من صامطة والقرى والهجر التابعة لها، والتي كان يتجاوز عددها آنذاك 186 قرية وهجرة، الأمر الذي جعل مجلسه مركزًا علميًا واجتماعيًا تُطرح فيه القضايا، وتُناقش فيه شؤون المجتمع في بيئة يسودها التقدير والاحترام.

وقد ضم مجلسه عددًا من الشيوخ الأفاضل الكرام، وعددًا من المسؤولين من مختلف الجهات الحكومية، منهم:

العلامة الجليل عبدالله القرعاوي، أحمد بهلول، أحمد جابر مدخلي، إبراهيم حسن الشعبي، إبراهيم سيقل، إسماعيل حسن، حسين نجمي، علي بن علي، علي مديش بجوي، عمر جردي، مديش بجوي، مرعي العمري، محمد صغير المحسن، محمد بن أحمد دوم مدخلي، محمد سراج، محمد سراج مباركي، محمد شريف، محمد طياش، الشريف منصور آل خيرات، منصور بهلول، ناصر خلوفه، هادي بن هادي مدخلي، يحيي بهلول، يحيي دوم مدخلي، وغيرهم الكثير من المشايخ والأعيان.

كما ضم مجلسه عدد من منسوبي الامارة وملازميه المقربين، منهم:

أحمد مانع الشبيلي، علي عبدالله، علي موسى سويدي، عبدالله بن فرحان البقمي، عبدالله الدغيثر، سعود الخثلان، سليمان القاسم، سلطان الدوسري، محمد حكمي، مناحي بن سيف القحطاني، مليح بن مطلق الشمري، ناصر بن عبدالله العثمان.

وقد أسهمت هذه العلاقات المتينة في تعزيز مكانة الإمارة كمركز يجمع بين الإدارة والعلم والخدمة العامة، ويعكس التكامل بين القيادة وأهل الرأي والمعرفة وأهل الحل والعقد في خدمة المجتمع.

كان له دور في معالجة الخلافات القبلية والاجتماعية بين الأهالي في صامطة والمراكز التابعة لها، حيث كان يستقبل أطراف النزاع في مقر الإمارة، ويسعى إلى حلها بالصلح وفق ما يحقق العدل ويحفظ استقرار المجتمع.

ساعده في ذلك معرفته بطبيعة المنطقة وعلاقاته مع مشائخ القبائل، إضافة إلى متابعته المباشرة لمثل هذه القضايا، مما أسهم في الحد من استمرار بعض النزاعات.

كذلك دوره في معالجة النزاعات القبلية التي كانت تتداخل فيها الاعتبارات الاجتماعية السياسية خاصة أن صامطة تقع في منطقة حدودية تتداخل فيها العلاقات الاجتماعية بين القبائل في جنوب المملكة وشمال اليمن.

ومن أبرز تلك القضايا التي كُلف بمتابعتها نزاع قبلي استمر قرابة ثلاثة عشر عامًا، وكان لهذا النزاع بعد اجتماعي وسياسي في الوقت نفسه، لكونه وقع بين قبائل سعودية وأخرى يمنية. وقد استمر لفترة طويلة، الأمر الذي استدعى التدخل لمعالجته.

جرى تكليفه بمتابعة هذا النزاع بحكم مسؤوليته الإدارية في المنطقة وعلاقاته مع مشائخ وأعيان القبائل، وتمكن خلال مدة وجيزة وخلال أسابيع من تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة وإنهاء الخلاف.

وعلى إثر نجاحه في معالجة هذه القضية، تشرف الأمير ناصر باستدعائه من قبل جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز في أواخر الثمانينات الهجرية، وذلك بحضور أمير منطقة جازان الأمير تركي بن أحمد السديري. وقد أبدى جلالة الملك إشادته للجهود التي أسهمت في إنهاء هذا النزاع.

*ويُلاحظ أن المعلومات المتوفرة حول تفاصيل هذه القضية محدودة، إذ لا توجد مصادر كافية توضح بشكل دقيق أطراف النزاع أو أسبابه أو المراحل التي مر بها خلال السنوات التي استمر فيها، وهو ما يجعل كثيرًا من تفاصيلها غير موثقة بشكل كامل في المصادر المتاحة حتى اليوم.

شهدت مدينة صامطة خلال فترة إمارة الأمير ناصر مرحلة من التطور الإداري والخدمي، حيث عمل على تطوير البنية التحتية والخدمات الحكومية في المدينة. 

أولاً: مشاريع المياه

من أبرز إنجازات الأمير ناصر في الجانب الخدمي مطالبته بإنشاء أول خزان مياه لمدينة صامطة، وهو المشروع الذي أسهم لاحقًا في إيصال شبكة المياه إلى المدينة وتلبية احتياجات الأهالي من المياه.

ثانيًا: تطوير الخدمات الصحية

شهد القطاع الصحي في صامطة خلال فترة إمارته تطورًا ملحوظًا، حيث تم توسعة مستوصف صامطة ورفع طلب رسمي لإنشاء مستشفى عام يخدم أهالي المدينة والمراكز المجاورة، كان لهذا المشروع أثر كبير في تحسين مستوى الرعاية الصحية في المنطقة لاحقًا.

ثالثًا: دعم التعليم ونشر المدارس

اهتم الأمير ناصر بالتعليم اهتمامًا كبيرًا، حيث تابع توسعة المعهد العلمي بصامطة الذي أسسه الشيخ العلامة الجليل عبدالله بن محمد بن حمد القرعاوي، كما طالب بإنشاء مدارس جديدة للبنين والبنات لتلبية احتياجات السكان التعليمية. كما سعى إلى إنشاء مبنى للمدرسة الأميرية (مدرسة الملك خالد لاحقًا)، في إطار دعمه لتوسع التعليم في المنطقة.

رابعًا: تطوير العمل الإداري والمؤسسات الحكومية

شهدت مدينة صامطة في عهد الأمير ناصر تطورًا ملحوظًا في تنظيم العمل الإداري والخدمات الحكومية، حيث عمل على:

  • افتتاح بلدية صامطة وتنظيم العمل البلدي في المدينة.
  • فصل إدارات الشرطة والأحوال المدنية والسجون بعد أن كانت إدارة واحدة.
  • نقل مقر السجن العام وتنظيم إدارته بشكل مستقل.
  • إنشاء مركز للإطفاء لخدمة المدينة.
  • بدء التحضير لمشاريع الكهرباء والاتصالات.

أسهمت هذه الإجراءات في بناء بنية إدارية حديثة تتناسب مع توسع المدينة ونموها.

خامسًا: دوره في التنمية وتطوير الطرق والبنية التحتية.

كان للأمير ناصر دور مهم في تسهيل عمل الشركات الأجنبية المتعاقدة مع الدولة لتنفيذ مشاريع البنية التحتية في المنطقة، ومن أبرز تلك المشاريع:

  • إنشاء السدود والعقوم المائية.
  • فتح الطرق بين المدن والقرى.
  • تعبيد طريق جازان – صامطة بالإسفلت.

وقد أسهمت هذه المشاريع في ربط المنطقة ببقية مدن جازان وتحسين الحركة التجارية والتنموية فيها.

سادسًا: دعم الزراعة الحديثة

رفع الأمير ناصر تقارير رسمية إلى وزارة الزراعة دعا فيها إلى تطوير الزراعة في المنطقة باستخدام الأساليب الحديثة، وتقديم الدعم للمزارعين المحليين، وقد ساعدت هذه المبادرات في تعزيز النشاط الزراعي في السهول الخصبة المحيطة بمدينة صامطة.

ظل الأمير ناصر يؤدي مهامه في خدمة دينه ومليكه ووطنه حتى وفاته عام 1399هـ، حيث توفي –رحمه الله– إثر حادث أليم أثناء أدائه مهام عمله في الإمارة، بعد سنوات طويلة من العمل الإداري والوطني في خدمة منطقة جازان وأهلها. وقد ترك الأمير ناصر إرثًا إداريًا واجتماعيًا بارزًا، ويُعد في الذاكرة المحلية أشهر أمراء صامطة والحد الجنوبي حتى وقتنا الحاضر، وتمثل دوره في مرحلة مهمة من تاريخ المنطقة، حيث جمع بين القيادة الإدارية والتنمية المحلية وإصلاح المجتمع، وأسهم في ترسيخ الاستقرار في إحدى أهم المناطق الحدودية في المملكة العربية السعودية.